عمر السهروردي

582

عوارف المعارف

وتعالى على العبد ، فيغلب كون الحق سبحانه وتعالى على كون العبد ، وهو ينقسم إلى فناء ظاهر وفناء باطن . فأما الفناء الظاهر فهو أن يتجلى الحق سبحانه وتعالى بطريق الأفعال ، ويسلب عن العبد اختياره وإرادته ، فلا يرى لنفسه ولا لغيه فعلا إلا بالحق ، ثم يأخذ في المعاملة مع اللّه تعالى بحسبه ، حتى سمعت أن بعض من أقيم في هذا المقام من الفناء كان يبقى أياما لا يتناول الطعام والشراب حتى يتجرد له فعل الحق فيه ، ويقيض اللّه تعالى له من يطعمه ، ومن يسقيه كيف شاء وأحب ، ولهذا لعمري فناء لأنه فنى عن نفسه وعن الغير ، نظر إلى فعل اللّه تعالى بفناء فعل غير اللّه . والفناء الباطن أن يكاشف تارة بالصفات ، وتارة بمشاهدة آثار عظمة الذات ، فيستولى على باطنه أمر الحق ، حتى لا يبقى له هاجس ولا وسواس . وليس من ضرورة الفناء أن يغيب إحساسه ، وقد يتفق غيبة الإحساس لبعض الأشخاص وليس ذلك من ضرورة الفناء على الإطلاق . وقد سألت الشيخ أبا محمد بن عبد اللّه البصري وقلت له : هل يكون بقاء المتخيلات في السر ووجود الوسواس من الشرك الخفي ؟ وكان عندي أن ذلك من الشرك الخفي ، فقال لي : هذا يكون في مقام الفناء ، ولم يذكر أنه هل هو من الشرك الخفي أم لا . ثم ذكر حكاية مسلم بن يسار أنه كان في الصلاة فوقعت أسطوانة في الجامع فانزعج لهدتها أهل السوق ، فدخلوا المسجد فرأوه في الصلاة ولم يحس بالأسطوانة ووقوعها ، فهذا هو الاستغراق والفناء باطنا . ثم قد يتسع وعاؤه حتى لعله يكون متحققا بالفناء ومعناه روحا وقلبا ، ولا يغيب عن كل ما يجرى عليه من قول وفعل ، ويكون من أقسام